|

«تسليع» المرأة عنفٌ لا مثيل له
رشيد يلوح
- العرب القطرية
-------
المرأة حضن المجتمع ومأواه، هي الأم التي تفيض منها
المعاني العليا، الأخت والزوجة والبنت، نتوقع منهن دوما
أغلى وأرق الأدوار الإنسانية.. كيف يتحول هذا الطرف
المحوري في حياتنا إلى هدف للعنف والتدمير؟
يعرّف بعض الباحثين العنف ضد بما يلي:
«العنف يعني الأخذ بالشدة والقوة، أو هو سلوك أو فعل يتسم
بالعدوانية يصدر عن طرف بهدف استغلال وإخضاع طرف آخر في
إطار علاقة قوة غير متكافئة مما يتسبب في إحداث أضرار
مادية أو معنوية أو نفسية»، ونلاحظ أن المجتمعات المعاصرة
تدين وتحاصر العنف المادي ضد المرأة بشكل أو بآخر، لكن
هذه المجتمعات نفسها إما تشجع العنف المعنوي ضد المرأة أو
تتفرج عليه، وأقصد بهذا الأخير تحويل المرأة إلى سلعة تباع
وتشترى في أرذل الأسواق وأكثرها قسوة، مع التغييب الكامل
لطبيعتها الإنسانية وحقها في الحرية والكرامة، كيف ذلك؟
لكثرة معايشتنا لمظاهر تسويق المرأة لم نعد نستهجن الأمر،
حياتنا اليومية مليئة بصور نساء تروّج لمنتجات تجارية
كثيرة.
نحن بحاجة إلى تأمل القضية والنظر إليها بعمق أكثر، لماذا
خرجت أو أُخرجت المرأة من وظائفها المصيرية لتتردى في أكثر
المجالات البشرية خطورة وقسوة، أي السوق؟
أدت وسائل الإعلام الدور المحوري في ترويج المرأة/ السلعة
بكل الأشكال، صورة وصوتا تلميحا وتصريحا، وقد أظهرت
الإحصاءات والتقارير نتائج جد خطيرة بخصوص صورة ودور
المرأة في الإعلام، منها تقرير صدر عن جمعية علم النفس
الأميركية، يفيد أن انتشار الصور المبتذلة للفتيات
والنساء في الإعلانات وعمليات الترويج التجاري والإعلام،
ضار بصورة المرأة عن ذاتها وبنموها الطبيعي وبصحتها
العقلية والبدنية.
وكانت مجموعة الباحثين المكلفة بالتقرير (وهي من جامعة
كاليفورنيا) قد وجدت أن تنميط الفتيات والنساء جنسياً في
المجلات والتلفزة وألعاب الفيديو والفيديوهات الموسيقية،
له آثار سلبية عليهن ما يؤدي إلى افتقادهن الثقة فيما يخص
أجسادهن بالإضافة إلى الاكتئاب واضطرابات الشهية للأكل.
وفي مجال الإعلام وصل العنف ضد المرأة إلى أقصى درجاته،
جسدته بالخصوص قنوات العري التي تروج لأشد المشاهد قسوة في
حق المرأة وكرامتها.
تقول منال أبو الحسن
أستاذة الإعلام بجامعة الأزهر: «أظهرت أحدث الدراسات
الإعلامية أن كلا من الفيديو كليب والإعلان يستغلان جسد
الأنثى في الأعمال التجارية وتسويق المنتجات، والأسوأ من
ذلك أن الفيديو كليب يستخدم هذه الأنوثة في نشر الرذيلة
والفاحشة، أما المسلسلات والأعمال الدرامية، فكثير
منها يصور الأنثى على أنها كائن يعاني مشكلات سببها دائماً
أنها أم وزوجة، ومعنى ذلك أن دوْرَي المرأة الأساسييْن هما
سبب تعاستها، ويكمن حل هذه المشكلات -في هذه الأعمال
الدرامية- في أن تتمرد الأنثى على هذين الدورين
ومسؤولياتها».
أما الصحافة المكتوبة فقد ابتليت بكثير من المنابر التي
تعرض صورة المرأة المنتَج المثير،
وفي هذا السياق أشارت عواطف
عبدالرحمن أستاذة الصحافة والإعلام بجامعة القاهرة
إلى أن الدراسات التي أجريت على المجلات النسائية المختصة
في العالم العربي أكدت أنها تخصص %75 من صفحاتها
للجوانب الجمالية والمظهرية للمرأة كالأزياء والماكياج، أو
المشكلات العاطفية للقارئات، مما يكرّس فكرة أن القضية
الأولى للمرأة العربية هي اهتمامها بأنوثتها، وإغفال
قدراتها كإنسانة ومواطنة، كما تولي وسائل الإعلام
اهتماما مبالَغا فيه لبعض المهن مثل الاهتمام بالفنانات
والرياضيات وسيدات الأعمال، على حساب المعلمات والباحثات
والعالمات والفلاحات.
وتشكل أسواق النخاسة المعاصرة مذبحا رهيبا لإنسانية المرأة،
شبكات الدعارة وتجارة الجنس تعمل بكل وسائلها لجلب النساء
من مناطق العالم الفقير لتبيعها لوسطاء العالم الغني، شاعت
قصص مخيفة عن نساء وقعن في شباك وسطاء عرضنهن لأبشع صور
التعذيب النفسي والجسدي مع التهديد بالقتل في كل لحظة،
وتشير بعض الأرقام إلى حوالي مليوني دولار من الأرباح دخلت
جيوب شبكات الدعارة بين دول عربية قبل سنتين.
إن العنف المسلط على كينونة نصف المجتمع ومصنع رجاله، يعد
من أبشع أنواع العنف وأكثرها
تأثيرا، ذلك أن المجتمع بأكمله يتشرب سمومه ويدفع
ضريبته،
ولا شك أن هذا الوضع الإنساني المتردي هو نتيجة لحسابات
منطق السوق الليبرالية وفلسفة الربح السريع التي نشرها
الغرب بين الشعوب، أما معالجة هذا المرض القاتل فلن
تخرج عن وسيلتين أساسيتين، هما: تربية المجتمع ويقظة
الدولة
¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤
|