العري والإباحية...أين ضمير الأمة؟!
د. عوض السليمان. دكتوراه في الإعلام - فرنسا- حماسنا

-------------

 

في فرنسا حيث أعيش، وفي دول أوروبية حيث أتجول ، ألاحظ وجود قوانين معينة مفيدة. هذه القوانين تصب في مصلحة الفرد والمجتمع على حدّ سواء. مثل ذلك أن سائق الدراجة النارية ملزم بوضع خوذة واقية على رأسه، فلو سقطت دراجته لعبت الخوذة دوراً في حمايته. إذا سألت الحكومة الفرنسية عن مثل هذا القانون واعترضتَ عليه لأنه ضد الحرية الفردية فسيضحكون منك، يقولون بدون هذا القانون سيموت الناس، والذي شرع هذا القانون شرعه لحمايتهم، وحماية مجتمعهم. هذا الجواب، كما ترون، ذو مغزى ومقنع ولا شك. أظن أنني فهمت الهدف من هذا القانون، ولعلي لا أحتاج مساعدة في ذلك. المسألة التي لم أفهمها بعد، إذاً لماذا تسمح السلطات في الغرب للشبان بتعاطي المخدرات والخمور؟، مع العلم أن مئات الشباب يضطرون للسرقة والقتل في كثير من الأحيان للحصول على المخدرات. وبل ويموت كثير منهم بسبب الإدمان. لماذا لا تقوم الحكومات بمنع المخدرات وتنتهي المسألة؟.

باسم الحرية الشخصية التي يحثنا عليها الغرب، يصاب سنوياً، وفي فرنسا فقط، عدة مئات بالإيدز. ثم يموتون أمام أعين الناس، إذ لا مأوى لهم ولا ملجأ. ويضمحلون يوماً بعد يوم على مرأى ومسمع من الحكومة ولا يفرضون عليهم "الخوذة" التي يفرضونها على سائق الدراجة النارية، يخافون على قتل رجل واحد ولا يأبهون لقتل المئات بل والآلاف.

في بلدان العالم أجمع يعاقب القاتل بالقتل، أو بالسجن المؤبد، تفرض هذه العقوبة على القاتل لأنه أزهق روحاً، أي أنه اعتدى على غيره، من أفراد أو جماعات. هذا أفهمه، ولن أقول أن هناك حرية شخصية تجيز للإنسان قتل شخص آخر.

أما الذي لا أفهمه: كيف أن المعتدي على ثقافة الأمة ودينها وقوانينها، يمر مكرماً معززاً لا يلتفت إليه أحد وكأنه لم يفعل شيئاً. المعتدي على قوانين الحكومة، يوضع في السجن وربما يهان ويعذب. والمعتدي على قوانين الله يوصف مرة بالجرأة، ومرة بالتحرر، ومرة برمز النضال.

هاهي الفضائيات العربية، تردح يميناً وشمالاً، وتتفنن بالإساءة لدين الله، ولثقافة الناس وعاداتهم، فيقف "الكتاب"، وقبل أن يتكلم أحد ليدعموا حرية التعبير في تلك الفضائيات.

أتسائل بكثير من الدهشة، أيهما أخطر على هذه الأمة، الرجل الذي صدم بسيارته شاباً فقتله، أم المغنية العارية التي تظهر في فضائيات يفترض أنها إسلامية، فتثير الغرائز وتتصرف مثل الغانيات، وتساهم في قتل ثقافتنا وديننا. إلى كم أسرة أساءت تلك الفنانة ، وإلى كم شاب وسوست، أفلا نتعوذ منها ونطردها كما نتعوذ من الشيطان. ولعلها منه أخطر.

إذا كانت الحكومات العربية والإسلامية، تصر على محاكمة المعتدين والمذنبين والقتلة"، ونحن معها في ذلك وندعو له، أفلا تحاسب أصحاب العري والإباحية وتحاكمهم بتهمة محاولة إفساد الأمة، وتضييع شبابها، وقتل معنوياتهم، والقضاء على إبداعهم. لا بد لهذه الحكومات، أن تحاكمهم بتهمة تمييع الأخلاق، والقضاء على ثقافة الأمة. وهل يسكت عن قاتل الثقافة؟!. إن قتل الثقافة قتلٌ للأخلاق، وإن قتل الأخلاق هو قتل الأمة بعينه، فلا تزول الأمة إلا بزوال أخلاقها. ولعل هذا هو هدفهم.  فلو زالت أخلاق أمتنا لزالت هذه الأمة من الوجود" إنما الأمم الأخلاق ما بقيت".

ألم يقف العالم كله ضد طالبان لأنها دمرت تماثيل بوذا، معتبرين ذلك إرثاً ثقافياً وحضارياً، لا يجوز المساس به، فما قولنا إذاً، ومحطاتنا الفضائية تحاول تدمير كل قلاع الثقافة التي نمتلكها.

أرأيتم إلى ذلك الخبر المهزلة، الذي يقول إن وزارة الإعلام المصرية ومساعدة منها على إزالة آثار العدوان على لبنان، قدمت للأخيرة برامج ومسلسلات تلفزيونية بآلاف الجنيهات. أريد أن أذكر وزارة الإعلام المصرية، أن أمريكا قدمت للعدو الصهيوني آلاف القنابل والصواريخ، مساعدة لها في تدمير لبنان. فما عليك يا لبنان إذا هاجمك العدو، إلا أن تفتح التلفاز على المسلسلات المصرية، لترد القنابل الذكية والصواريخ الموجهة.

اليوم، تقوم الفضائيات أمام أعيننا بتدمير أبنائنا، وسحق هويتهم، وحكوماتنا تتفرج لاهية، كأن الأمر لا يعنيها، في الوقت الذي أقسمت فيه تلك الحكومات على حماية شعوبها، لكنها على ما يبدوا قد نست أو تناست ذلك القسم.

مرة وجه أحد الصحفيين سؤالاً لإحدى الفنانات، كانت ترتدي ثوباً يظهر منها أكثر مما يخفي، قال لها ألم تبالغي بهذا اللباس؟ ، أي مصلحة لك فيه؟ فقالت  إنها محتشمة ولا تحب التعري، ولكنها ذاهبة إلى سهرة وفي السهرة لا بد من لباس ثوب كهذا!!. وعليه فقد فهمت أنا، أنه يجوز للفنانة في السهرة ما لا يجوز في غيرها. نِعم الجواب. والحقيقة أن ذلك الجواب لا يختلف كثيراً عن أجوبة فنانات التعري، فكل واحدة منهن تنتقد الإباحية واللباس القصير وحركات الإغراء. فمن إذاً ينشر الإفساد بيننا؟!.

مضحك ذلك الرأي الذي يبرأ أوروبا وأمريكا من المؤامرة، ويضع كل شيء على ظهورنا، فاحتلال العراق سببه صدام، وتجويع الفلسطينيين، سببه حماس، ومحاولة إذلال سورية سببه  الرئيس الأسد، والضغط على السعودية سببه التطرف. واليوم يقولون لنا، أن فضائيات التعري والإباحية والفن الشاذ، سببه نحن المسلمون. عجباً لهذا التصور. في إعلامهم يستهزئون من العرب لأنهم أهل حريم وألف ليلة وليلة، ويقفون وراء كل إذاعة تنشر فكر ألف ليلة وليلة وفكر الحريم. ويضحكون من هز البطون، لكنهم يساعدون بكل الوسائل في نشره. كيف أفهم أنا المسكين هذا.

منذ أيام انتقد البابا، بأمر من "الماما"، الإسلام والمسلمين ورسول المسلمين عليه الصلاة والسلام، ومنذ عدة شهور استهزأت صحف دانمركية من رسولنا الأعظم، وثارت ثائرة الشعوب الإسلامية للرد على المنتقدين، ولا شك أننا فرحنا بهذه الثورة وأيدناها. وهو أمر أظن أنني فهمته. بيد أنني لم أفهم بعد  صمت هذا الشباب المتحمس الغيور على دينه تجاه فضائيات العري وأصحاب العري والمشجعين على العري، أليس في هذا إساءة للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم؟ أليس فيه إساءة لديننا ومبادئ ديننا، بل وللأديان جميعاً؟ حري بالذين ثاروا ضد تصريحات البابا، أن يثوروا أيضاً ضد ما تقدمه بعض الفضائيات العربية من تشويه لهذا الدين واعتداء شبه يومي عليه.

- يستطيع هذا الشباب أن ينكر على تلك الفضائيات عملها المسموم من خلال إرسال الرسائل المعارضة، ومن خلال مقاطعة تلك الفضائيات ومن خلال التدخل المباشر عندما تكون تلك الفنانات في المقابلات المباشرة على الهواء. من خلال النصيحة أو من خلال التذكير بتقوى الله، أو من خلال سؤال الفنانة عن رسالتها التي تقدمها من خلال التعري ولأي شيء تطمح بالضبط.

إن السكوت عن هذه الفضائيات يشكك في موت الأمة فلم تعد تتأثر بالجروح، إذ "ما لجرح بميت إيلام".

 


 

¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤